هل اقتربنا فعلًا من التفوق الكمي أم لايزال الأمر صعبًا؟

التفوق الكمي

 

داخل مختبر صغير في الريف الخصب على بعد حوالي 50 ميلًا إلى شمال مدينة نيويورك تتدلى مجموعة من الأنابيب والإلكترونيات من السقف ولكن هذه الفوضى من المعدات ما هي إلا حاسوبًا ولكنه ليس حاسوبًا شخصيًا بل واحد من أهم المعالم في تاريخ مجال الحاسب.

 

تستطيع الحواسيب الكمية إجراء عمليات حسابية بطريقة أفضل من أي حاسوب عملاق موجود حاليًا، فقد يحدث ثورة في اكتشاف مواد جديدة وذلك من خلال محاكاة لسلوك المادة وصولًا إلى المستوى الذري، وقد يُمكن استخدامها في التشفير والأمان من خلال كسر الرموز التي لا تقهر، كذلك هناك توقعات بتطويرها للذكاء الاصطناعي عن طريق تحليل البيانات بشكل أكثر كفاءة.

 

لكن، ما هي الحواسيب الكمية بشكل عام؟

 

يطلق عليها اسم الحواسب الكمومية أيضًا، وهي حواسب تستطيع إتمام حسابات متوازية ومعقدة قد تصل إلى ملايين العمليات الحسابية في آن واحدة، وتعتمد هذه الحواسيب على مبادىء ميكانيكا الكم وظواهرها لمعالجة البيانات.

 

تُقاس كمية البيانات التي تستطيع الحواسب التقليدية معالجتها بوحدة قياس صغيرة تُدعى البت، أما في الحواسيب الكمية فتُقاس كمية البيانات بوحدة قياس تُدعى الكيوبت (Qubit) وهي اختصارًا لكلمتين وهما (Quantum bit) والتي تعني البت الكمية أو الكمومية.

 

تعتمد الحواسب الكمية على مبدأ مهم جدًا وهو الاستفادة من الخواص الكمية للجسيمات لتمثيل البيانات ومعالجتها، إضافة لاستخدام قواعد ميكانيكا الكم لبناء وتنفيذ التعليمات والعمليات على هذه البيانات.

 

 

لكن الآن فقط، وبعد عقود من التقدم التدريجي اقترب الباحثون أخيرًا من بناء نماذج من الحواسيب الكمية وهي الظاهرة التي تُعرف باسم التفوق الكمي وساهمت شركة جوجل في هذا الإنجاز مع وجود مجهودات انتل ومايكروسوفت الكبير في هذا المجال وشركات أخرى يتم تمويلها جيدًا مثل Rigetti Computing و IonQوQuantum Circui.

 

لا يوجد منافس آخر يمكنه مجاراة شركة آي بي إم في هذه المنطقة، فمنذ 50 عامًا مضى والشركة تقدم الكثير من علم المواد ووضعت الأسس لثورة الحاسوب، لكن هل سيكون هذا النوع من الحواسب اعتماديًا؟ هل سيكون مفيدًا؟

 

لماذا نعتقد أننا بحاجة إلى التفوق الكمي الآن؟

 

هل اقتربنا فعلًا من التفوق الكمي أم لايزال الأمر صعبًا؟

 

عندما انضم تشارلز بينيت من شركة آي بي إم في عام 1972 كانت الفيزياء الكمية قد مضى عليها بالفعل نصف قرن، وكانت الحوسبة تعتمد على الفيزياء الكلاسيكية والنظرية الرياضية للمعلومات والتي طورها كلود شانون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الخمسينيات، وحدد شانون كمية المعلومات من حيث البتات المطلوب تخزينها والتي كانت مكونة من أصفار وآحاد في كود ثنائي وهي أساس جميع الحوسبة التقليدية الموجودة الآن.

 

ساعد بينيت في وضع الأساس لنظرية المعلومات الكمومية والتي من شأنها تحديث كل ذلك، ويعتمد الأمر على استغلال السلوك الغريب للأشياء على النطاق الذري، في هذا الحجم يُمكن ان يوجد جسيم “متراكب” في العديد من الدول في وقت واحد ويُمكن أن يظهر جزيئين متشابكين بحيث يُمكن أي يؤثر تغيير أي حالة منهما على الآخر.

 

اقرأ أيضًا >> الحواسيب الكمية الأخيرة من شركة جوجل، ماذا تعرف عنها؟

 

أدرك بينيت وآخرون أن بعض أنواع الحسابات التي تستهلك الكثير من الوقت أو حتى يستحيل عملها يُمكن تنفيذها بكفاءة بمساعدة الظواهر الكمومية والذي يقوم بتخزين المعلومات على شكل كيوبت (أو ما تعرف بالبتات الكمومية) ويُمكن أن توجد الكيوبتات في حالات تراكب 0 أو 1.

 

من الصعب بالطبع مقارنة الحواسب الكمومية بالحواسب الكلاسيكية، لكن الحواسيب الكمية يمكنها بمئات الكيوبتات إجراء المزيد من الحسابات في وقت واحد.

 

في صيف عام 1981، نظمت شركة آي بي إم ومعهد ماستشوستس للتقنية حدثًا بارزًا أطلق عليه اسم المؤتمر الأول في فيزياء الحوسبة، وفي صورة التقطها بينيت للحاضرين كان من بينهم كونراد زوسي الذي طول أول حاسوب قابل للبرمجة وريتشارد فاينمان المساهم الهام في نظرية الكم وقد ألقى الخطاب الرئيسي للمؤتمر وطرح فكرة الحوسبة باستخدام التأثيرات الكمومية ومن بين تصريحاته قال أن الطبيعة هي الكم، فإذا أردنا محاكاة الطبيعة فعلينا تطوير حاسوبًا كميًا.

 

الفجوة ما بين الحقيقة والحلم

 

هل اقتربنا فعلًا من التفوق الكمي أم لايزال الأمر صعبًا؟ 1

 

استغلت آلة IBM الظواهر الكمية التي تحدث في المواد فائقة التوصيل، فعلى سبيل المثال سيتدفق التيار في تجاه عقارب الساعة وعكس عقارب الساعة في نفس الوقت، ويستخدم الحاسوب الخاص بشركة IBM دوائر فائقة التوصيل في حالتين من الطاقة الكهرومغناطيسية وذلك لتكوين كيوبتات.

 

يتميز نهج التوصيل الفائق بمزايا أساسية ويمكن تصنيع الأجهزة باستخدام طرق تصنيع قوية ويمكن استخدام الحاسوب التقليدي للتحكم في النظام كما أن التلاعب في الكيوبتات داخل دائرة التوصيل أسهل في التلاعب وأقل حساسية من الفوتونات والأيونات الفردية.

 

اقرأ ايضًا >> IBM تسمح بتجربة الحواسيب الكمية

 

داخل المعمل الكمومي لشركة IBM يعمل المهندسون على إصدار حاسوب يعمل بكفاءة 50 كيوبت وقد تستطيع محاكاة الحاسوب الكمي على حسوب تقليدي لكن بعدد كيوبتات قليلة جدًا وهذا يعني أن شركة آي بي إم تقترب نظريًا من الوصول إلى مرحلة التفوق الكمي على الحواسب التقليدية.

 

من حلم فيزيائي إلى كابوس مهندس

 

هل اقتربنا فعلًا من التفوق الكمي أم لايزال الأمر صعبًا؟ 3

 

يقول آيزالك شوانغ، الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتقنية أن الحوسبة الكمية لم تعد حلمًا فيزيائيًا وإنما أصبحت كابوسًا هندسيًا.

 

قاد شوانغ تطوير بعض أجهزة الحواسيب الكمية القديمة مع شركة آي بي إم في الفترة ما بين أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، وأشاد بأنها ستلعب دورًا هامًا في الذكاء الاصطناعي.

 

في عام 2016، قامت شركة آي بي إم بتوصيل حاسوب كمومي صغير بخدمة سحابية وذلك باستخدام مجموعة أدوات برمجية تُدعى QISKIT والتي تمكنك من تشغيل برامج بسيطة عليها وولوج لآلاف من الناس قاموا ببناء برامج QISKIT التي تدير خوارزميات الكم الأساسية.

 

تتوالى الجهود لتطوير الحوسبة الكمومية بشكل يؤهلها إلى التفوق الكمي عن قريب، وعندما يحدث ذلك ستجد طفرة كبيرة في جميع الخدمات على مستوى المستخدمين العاديين بدلًا من وجودها حاليًا على مستوى الباحثين فقط.

المصدر