كيف سيكون العالم مع روبوتات “بوسطن داينامكس”؟

من الصعب على شركات صناعة الروبوتات أن تبني قاعدة جماهيرية كبيرة بسرعة، خاصةً وأنّ عملها غير مفهوم للكثير من الناس، ولكن الأمر مختلف مع شركة بوسطن داينامكس التي استطاعت أن تبني قاعدة جماهيرية في وقت قصير، وهذا غير مفاجئ على الإطلاق، فمن من الشركات تصنع روبوتات مثل بوسطن داينامكس؟

 

في كل مرة تنشر الشركة فيديو لآلاتها وهي تقوم بوظيفة ما، تثير حماس الكثير من الناس، مثل فيديو مجموعة الروبوتات التي تسحب شاحنة ضخمة، أو الروبوت الذي يشبه الإنسان وهو يقفز على مجموعة من الصناديق، في جميع الأحوال تبقى روبوتات بوسطن داينامكس فريدة من نوعها ومثيرة للاهتمام.

 

كذلك هي اختبار لمشاعرنا بخصوص المستقبل، سواء كانت هذه المشاعر تتركز حول الحماس بخصوص ما يمكن لهذه الروبوتات فعله في مساعدة البشرية، أو مشاعر الخوف من اقتراب نهاية العالم وتحكّم الروبوتات في كل شيء!

 

مشاعر الخوف هذه تحديدًا ظهرت بوضوح بعدما نُشر مقطع فيديو كوميدي يكشف أحد روبوتات بوسطن داينامكس وهو يهاجم من صنعوه، حيث اعتقد الكثير من الناس أنّ الفيديو حقيقي فعلاً.

 

لكن مع كل ما تملكه من قوة هندسية وتفوّق في هذا القطاع، تواجه شركة بوسطن داينامكس حاليًا أكبر تحدي لها: تحويل مجموعة الروبوتات الخاصة بها إلى نشاط تجاري حقيقي.

 

من جانبها، تستعد الشركة حاليًا لإطلاق أول روبوت تجاري في وقت لاحق من هذا العام باسم Spot. ليكون الاختبار الحقيقي للشركة في السوق بعدما قضت عقود في التطوير والأبحاث، وسيخبرنا أيضًا كبشر ما إذا كنّا مستعدين لامتلاك روبوتات أم لا. وهنا نعود للسؤال الموجود بالعنوان: هل نحن مستعدون لاستقبال روبوتات بوسطن داينامكس؟

 

روبوتات بوسطن داينامكس

 

إذا تحدثت مع أي شخص من العاملين في قطاع صناعة الروبوتات من المتوقع أن يُلخّص هذا القطاع في كلمتين بسيطتين: الروبوتات صعبة.

 

فهذا القطاع شهد الكثير من الانهيارات للشركات الناشئة – وحتى الشركات القائمة – دون سابق إنذار. وفي العام الماضي فقط، انهارت ثلاث شركات للروبوتات في غضون بضعة أشهر.

 

لذلك لخّص المخضرم في هذه الصناعة “جيمس كوفندر” من معهد أبحاث تويوتا التحديات الموجودة في صناعة الروبوتات قائلًا “يتطلب الأمر تمويلًا كبيرًا، وقيادة ملتزمة، وموظفين ذوي مهارات عالية، وموارد، وبنية تحتية، واستراتيجية ممتازة للمنتج والسوق” وأضاف “ناهيك عن التنفيذ بدون عيوب”.

 

ومن الاختبارات تبدو روبوتات بوسطن داينامكس خالية من العيوب ولكن هذا الأمر نسبي لأنّها لم تُختبر بعد في البيئات التجارية القاسية. فمنذ تأسيسها في عام 1992، اعتمدت الشركة على رعاة ذوي قدرات تمويلية هائلة مثل وزارة الدفاع الأمريكية، وألفابت المالكة لجوجل وأندرويد.

 

وفي حديث مع موقع The Verge، صرّح الرئيس التنفيذي للشركة مارك ريبرت أن تلك السنوات من التعاقد والبحث كانت ضرورية لنقل الشركة إلى مرحلتها الحالية من التطوير.

 

يقول ريبرت “لقد كنّا شركة أبحاث وتطوير لفترة طويلة، نعمل على دفع الظرف وصنع روبوتات تحاول أن ترقى إلى مستوى فكرة الناس عن ما ينبغي أن يكون عليه الروبوت” وأضاف “ومن الطبيعي … أنّه بينما نقوم بالأبحاث والتطوير فإنّه يجعل الروبوتات مفيد أكثر وأكثر، ويصبح من الواضح لنا أن هذا الشيء يمكن استخدامه وتسويقه”.

 

منحت عقود البنتاجون شركة بوسطن داينامكس الوقت والمساحة اللازمين لتطوير روبوتات متطورة مثل BigDog pack-mule (رفضها الجيش في النهاية لكونها صاخبة للغاية) لكنها لم تؤد بعد إلى روبوت قابل للبيع. بدلًا من ذلك، لطالما أعجبت الشركة الداعمين باستمرار من خلال منحهم ميزة تتميز بها الأجهزة على مدى عقود: التنقّل.

 

يوضّح هود ليبسون أستاذ الهندسة بجامعة كولومبيا أن التنقّل الحقيقي هو شيء هام جدًا بالنسبة للروبوتات “نعتقد أن لعب الشطرنج أمر كبير ولكن مجرد التجوّل، وتنسيق المئات من العضلات هو إنجاز لا يصدق” ويضيف “لا تزال الروبوتات – في معظمها – خرقاء للغاية”.

 

تصنيع روبوت

 

بالتالي فإنّ معظم الآلات المستخدمة في المصانع والمستودعات اليوم هي أشياء ضخمة وثابتة وغير ذكية، ومصممة للبقاء في مكان واحد وأداء مهام متكررة. أمّا روبوتات الغد، فستكون رشيقة وديناميكية وقادرة على العمل جنبًا إلى جنب مع البشر والتفاعل مع البيئات المتغيرة والسلوك.

 

يقول ليبسون أن بوسطن داينامكس “تحاول كسر هذا الحد غير المرئي” للتنقل على مدار عقود، ولكن نتيجة لذلك فإن التطبيقات القابلة للبيع تبدو كفكرة لاحقة تقريبًا.

 

هذا الحد وفقًا للعديد من المحللين كان عدم وجود هدف تجاري حقيقي للشركة على مدار عقود من الأبحاث والتطوير، كان كل ما عليها فعله فقط هو أن تبني روبوتات رائعة وهذا ما كان يحدث بالفعل.

 

لكن مع مرور الوقت واستحواذ SoftBank على الشركة في عام 2017، أصبح من الضروري التوجه نحو الاستخدام التجاري، خصوصًا وأنّ شركة استثمارية مثل SoftBank ترغب في رؤية عائد سريع على استثمارها، وهذا ما حدث بالفعل مع ظهور روبوت Spot الذي تستعد الشركة لبيعه في وقت لاحق من هذا العام.

 

وبالإضافة إلى روبوت Spot قامت الشركة بالاستحواذ على شركة اللوجستيات الناشئة Kinema Systems التي تصنع روبوتات يمكنها إدارة المستودعات والمخازن بشكل تلقائي.

 

روبوت Spot

 

حسب ما صرّح به الرئيس التنفيذي لشركة بوسطن داينامكس أكثر من مرة فإنّ روبوت Spot سيكون بمثابة أندرويد الروبوتات، أو بمعنى آخر سيكون عبارة عن منصة قابلة للتخصيص بحيث يمكن لأي شركة تخصيصه حسب احتياجاتها الخاصة، وستوفر الشركة بعض الملحقات الإضافية لاحقًا لمساعدة الشركات على تخصيص هذا الروبوت.

 

 

ويضيف السيد ريبرت أنّ الفارق بين روبوت Spot وروبوتات الشركة السابقة من ذوات الأرجل كالفارق بين الصباح والمساء “إنّه تكريم لما تعلمناه على مر السنين في استشعار التضاريس، وتحقيق التوازن في الروبوت، والسيطرة عليه”.

 

وتعتمد بوسطن داينامكس في هذا على ذكاء اصطناعي من المستوى المنخفض يُمكنه تسيير الروبوت في المكان الصحيح، ولكن سيبقى على البشر إخباره ما يفعل من خلال جهاز تحكّم يشبه الأجهزة اللوحية.

 

بالطبع هناك منافسة موجودة في السوق بالفعل مثل روبوت ANYmal بواسطة ANYbotics والذي يشبه Spot في الكثير من الأمور، حيث يمكنه العمل في الداخل أو الخارج مع عدد من الملحقات، وحسب تصريح الشريك المؤسس بيتر فرانكهاوزر فقد بدأت الشركة في بيعه بالفعل وهناك واحد منها يفحص منصة طاقة بحرية في بحر الشمال.

 

 

ولكن بوسطن داينامكس في رأي تمتلك امتيازات أكبر وخاصةً بعد استحواذها على Kinema Systems، حيث أنّ غالبية الزبائن في سوق الروبوتات ستكون شركات تمتلك الكثير من المستودعات التي تتطلب ساعات عمل كثيرة في التنظيم والترتيب، ومع وجود روبوتات يمكنها القيام بغالبية الوظائف التي يقوم بها البشر، سيكون من السهل على الشركة الأمريكية تسويق روبوتاتها.

 

المستقبل

 

هناك الكثير من الجدل حول مستقبل الروبوتات والأتمتة بشكل عام، ومهما كان رأي الناس في هذا المستقبل فإنّه قادم لا محالة.

 

حيث أصبحت الروبوتات مألوفة أكثر للبشر وتدخل في العديد من المجالات، لكن بعض الخبراء قلقون من أنّها لا تقوم بوظيفة ممتازة، وفي ورقة علمية نُشرت هذا العام حذّر كلًا من Daron Acemoglu، وPascual Restrepo – اثنين من الباحثين الأكثر احترامًا في هذا المجال – من ظاهرة أطلقوا عليها اسم “so-so الأتمتة” وفيها تكون التكنولوجيا المستخدمة لاستبدال البشر لا تقدّم أي فائدة للاقتصاد.

 

حيث أن المصانع التي تعتمد على الأتمتة في عملها لا تُنتج أسرع أو أكثر، هي فقط بدلّت الأيدي العاملة مع ما يعادلها من الأجهزة.

 

وتظهر هذه الديناميكية في بعض الشركات مثل Walmart التي تعتمد على الروبوتات في أداء مهام عادية مثل مسح الأرفف ضوئيًا، ويقول الموظفون أن هذه الآلات لا تجعل وظائفهم أسهل، بل أحيانًا تكون أكثر صعوبة بسبب العمل الإضافي اللازم لإدارة برامج الروبوتات.

 

يحذّر الباحثيّن من استمرار هذا الاتجاه في السوق لأنّه قد يتسبب في عدم إنشاء فرص عمل جديدة، وبالتالي تصبح الحياة أصعب على العاملين، وهي الشيء الذي بدأنا نشهده بالفعل ويظهر في ركود الأجور.

 

لهذا السبب نحن متحمسون بخصوص روبوتات بوسطن داينامكس القادمة، لأنّها على عكس غالبية الروبوتات التي يمكن أن تسقط على الأرض وتنتظر الإنسان حتى يأتي ويرفعها، يمكنها القيام بالكثير من الوظائف كالإنسان, وربما في المستقبل تقوم بهذه الوظائف بشكل أفضل منه حتى. على الأقل حسب ما يظهر من مقاطع الفيديو التي تنشرها الشركة.

 

لكن في النهاية سوف يستمر التأثير السلبي على الوظائف ورفاهية حياة الموظفين العاديين.